المناوي
45
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وكان أوحد وقته في التوكّل ، تأتيه الهوامّ والسّباع فتأنس به ، وتأوي إليه ، فسئل عن ذلك ، فقال : الكلاب يأنس بعضها ببعض . ومن كلامه : لا يجوز التصدّر للمشيخة إلّا لمن فرغ من تهذيب نفسه ، ومن بقي عليه بقيّة فهو مريد ، والمريد لا يكون له مريد . وقال : لا تسألوا اللّه أن يصبّركم ، وسلوه اللّطف بكم ؛ لأنّ تجرّع مرارة الصّبر شديد لمثلنا ، فإنّ زكريا لمّا بلغ المنشار لرأسه أنّ لشدّة الوجع ، فأوحى اللّه إليه : وعزّتي وجلالي لو صعدت منك أنّة ثانية لأمحونّ اسمك من ديوان النّبوّة . وقال : الذّاكر للّه لا يقوم له في ذكره عوض ، فإذا قام له عوض خرج من ذكره . وقال : ما بلغ أحد حالة شريفة إلّا بلزوم الموافقة ، ومعانقة الأدب ، وصحبة الصّلحاء ، وخدمة الفقراء الصّادقين « 1 » . وقال : لا يصفو قلبك إلّا بتصحيح النيّة للّه ، ولا بدنك إلّا بخدمة أوليائه . وقال : حرام على قلب مشوب بحبّ الدّنيا أن يسبح « 2 » في روح الغيوب . وقال : من أحبّ اطّلاع النّاس على عمله فهو مراء ، أو على حاله فهو كذّاب . وقال : دخلت المدينة فلم أجد ما آكله خمسة أيّام ، فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في النّوم فناولني رغيفا ، فأكلت نصفه ، وانتبهت وبيدي النّصف الآخر « 3 » . وسبب قطع يده أنّه عقد مع اللّه ألّا يمدّ يده لشيء من نبات الأرض لشهوة ، فنسي وتناول عنقودا من شجر البطم فلاكه ، ثمّ تذكّر ، فرماه ، فخرج بعض
--> ( 1 ) في طبقات الصوفية 371 : وصحبة الصالحين ، وحرمة الفقراء الصادقين . ( 2 ) في طبقات الصوفية 371 : أن يسيح . ( 3 ) مرّ هذا الخبر عن أحمد بن يحيى الجلاء 2 / 37 .